الشيخ محمد رشيد رضا

125

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ أي لا تجعلوا شعائر دين اللّه حلالا تتصرفون بها كما تشاؤن ، وهي معالمه التي جعلها أمارات تعلمون بها الهدى من الضلال كمناسك الحج وسائر فرائضه وحدوده وحلاله وحرامه بل اعملوا فيها بما بينه لكم وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ ولا تحلوا الشهر الحرم باستئنافكم قتال المشركين فيه ، قيل المراد به هنا ذو القعدة وقيل رجب ، والمتبادر ان المراد به جنس الشهر الحرام فيدخل فيه بقية الأربعة الحرم وهي ذو الحجة والمحرم - وراجع تفسير قوله تعالى ( 2 : 217 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ) في الجزء الثاني من التفسير لتقف على تتمة هذه المسألة - وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ ولا تحلوا الهدي الذي يهدى إلى بيت اللّه من الانعام للتوسعة على من هناك من عاكف وباد تقربا اليه تعالى . وإحلاله يكون يمنع بلوغه إلى محله من بيت اللّه كأخذه لذبحه غضبا أو سرقة أو حبسه عند من أخذه ، ولا تحلوا القلائد التي يقلد بها هذا الهدي بنزع القلادة من عنق البعير لئلا يتعرض لها أحد يجهله . وقيل المراد بالقلائد ذوات القلائد من الهدي كأنه قال لا تحلوا الهدي مقلدا ولا غير مقلد ، وخص المقلد بالذكر لأنه أكرم الهدي واشرفه ، ويؤخذ من الكشاف انهم ما كانوا يقلدون الا البدن ( الإبل ) وقيل الهدي هو ما لم يقلد ، وهذا كما قالوا في « ولا يبدين زينتهن » لا يبدين مواضع زينتهن ، وقد يدخل في عمومه من يتقلد من الناس ليعرف انه محرم ، وكان من يريد الحج في الجاهلية ومن يرجع منه يتقلد من لحاء شجره ليأمن على نفسه فلا يعرض له أحد ، فاقر اللّه تأمين المقلد لتعلم العرب ان من تقلد لأجل النسك كان في جوار المسلمين وحمايتهم وبهذا فسر بعضهم الآية ، وقيل إن المراد هنا المنع من أخذ شيء من شجر الحرم لأجل التقلد به عند العودة من أرض الحرم لأن هذا من استحلال قطع شجر الحرم أو التحائه أي أخذ قشر شجره ، والظاهر أن المراد بالنهي تحريم التعرض للقلائد نفسها بإزالتها والتعرض للمقلد بها من الهدي لان كل ذلك بعد من احلال القلائد حقيقة ، فلا حاجة إلى القول بأن النهي عن إحلال القلائد يدل على النهي عن إحلال ذوات القلائد بالأولى ، وهذا هو المتبادر عندي ، وأما